نظرة في الفن والفنان

.

.

.


في العادة ، يقسم الناس إلى أدباء وفنانين ، حيث يفصل الفن عن الأدب ، ولكن قد ننظر إلى الأدب كنوع من أنواع الفن ، فالفنون أشكال ، والفن مرتبط بالإحساس والذوق والأخلاق ، كما يرتبط الأدب بهم ثلاثةً ، فلا نتعجب حين يوصف الشاعر بأنه فنان ، والفن يتضمن فنون المسرح ، ومن فنون المسرح الكتابة المسرحية ؛ أي كتابة السيناريو والحوار ، وهناك أيضاً الفن القصصي ، وفن الخطابة ، وفن الإلقاء ، وهذا مما يجعل الأدب فنا عند البعض ، وهم غالبا من الكتاب .

إن الفن مصطلح يختلف تصويره للحظة الأولى من شخص لآخر ، فحين تحكي عن الفن مع ممثل فغالبا ما يترجم الفن للحظة الأولى إلى تمثيل وغناء ، وكذا حال المغني ، أما الموسيقي فسيكون تصويره أوسع ، فهو يرى العزف وتكوين المعزوفة ، والتلحين والغناء والشعر ، والرقص والتمثيل فنونا ؛ وهذا قد يرجع إلى أهمية كلٍ منهم في عمله اجتماعيا ، فالفيلم يعتمد نجاحه في المقام الأول عند الجمهور على الممثلين ، والأغنية تعتمد على المغني ، والمعزوفة تعتمد على المايسترو ، وأما المخرج والكاتب والملحن والعازف فهم على الرغم من أن تأثيرهم كبير إلا أنهم مهمشين عند من لا يتعمق في فنونهم وأخبارهم أو من لم يدرس تلك الفنون بشكل أعمق وأوسع . وإن سألت رساما عن الفن ، فإنه من اللحظة الأولى سيترجمه إلى الرسم والنحت والغناء والموسيقى وربما الشعر ومن ثم التمثيل ، والسبب الأكيد أن فنان الريشة يتصل بعدة فنون يستمد منها الإلهام .

الكثير من الرسامين إن لم يدرسوا دراسة تطبيقية لجميع مدارس الفن التشكيلي ، تجدهم يهمشون ما لا يتقنونه ، ولا يعتبرونه فنا ، فقد يرى من اختار الرسم الواقعي بلا شبكة أن كل من استخدم الشبكة مخادع وليس بفنان ، ولكن من وجهة نظر أخرى قد يكون اعتماد هذا الفنان على إبداعه اللوني وبراعته في إبراز العنصر من خلال الإضاءة والظل وإحساسه ووضعه للمساته الخاصة ، فهو لا يرى نفسه رساما بقدر ما يكون ملوّنا بارعا ، وكلها فنون ، فقد أبدع العلماء قديما برسم الخرائط وتلوينها مستخدمين الشبكة للتكبير والتصغير بأبعادٍ مماثلة ، وهذا ذكاء بحد ذاته ، وقد يرى من اختار الرسم التشكيلي أو التجريدي أن الواقعية ليست بفن ، لأنها تنقل ما هو موجود واقعيا بشفافية ووضوح على لوحة من صنع إنسان ، على الرغم من أن كبار الفنانين الأوروبيين اشتهروا بلوحاتهم الواقعية ، وأن المدارس الفنية جميعًا قد ارتبطت بالواقعية في المقام الأول ، فليوناردو دافنشي اختار واقعية الملامح الرومانية والإيطالية ليجسدها في رسوماته بأسلوبه الخاص ، والتكعيبية على يد بيكاسو اعتمدت على تجريد الواقع من ملامحه وتحويله إلى خطوط هندسية غير منظمة ، والسريالية على يد سيلفادور اعتمدت على ربط الخامات الواقعية بأفكار خيالية غير واقعية ، والتأثيرية عند ڤان غوخ كانت مضافة إلى رسم واقعي حر الأبعاد ، فالرسم الواقعي فن وإن لم يكن إبداعا ، لأن الإبداع ابتكار لما هو جديد ولم يسبق فعله من قبل .

ولكل فنان لمساته الخاصة ، وقد يسهل التمييز بين لوحة الفنان الرجل ولوحة الفنانة الأنثى ، فحتى وإن كان من شروط أي لوحة وجود الإحساس وتضمن فكرة ، إلا أنه غالبا ما يكون تركيز الرجل في لوحاته على أفكاره وتركيز الأنثى في لوحاتها على أحاسيسها ، كما قد يسهل التمييز بين لمسة كلٍّ منهما ، فالفنان الرجل جريء في لمساته ، والفنانة الأنثى رقيقة في لمساتها ، وجمال نتاجهما في عفويتهما تلك ، والعفوية عنصر فعال في العمل الفني ، فما إن ينقص ، ويزيد التصنع حتى ينقص الإحساس في العمل الفني وإن صقلت الفكرة ، فإني أرى أن الإنسان إن جرب أمورا لم تكن في رغبته ولا بعفويته ، بل فقط لإثبات قدرته على إتقان الكثير ، فإنه يفقد جزءا كبيرا من هويته تدريجيا ، ويصبح معبرا عن ذاته بما لا يعبر عنه ، لذلك قد يعيش مشتتا حتى يجد نفسه بعد جهد في طبع فني بأسلوب خاص يعبر عنه .

وأما الفنان فهو لفظ يطلق على الإنسان الممارس للفن ، وبناء على هذا التعريف البسيط يلزم المحب للفن أن ينتقل أولا من درجة الإنسان حتى يصل إلى درجة الفنان بفنه ، فلكي يكون الشخص فنانا يتحتم عليه أن يتصف بصفات الإنسانية ، أو أقلها أن يتحلى بالخلق ، فالخلق في بعض الفلسفة ليس إلا فنا ، والفن في بعض الفلسفة أخلاق .

ومن حسن الخلق ترك المرء ما لا يعنيه وعدم امتهان ما لا يختص به ، لذا فإن من أخلاق الفنان ألا ينتقد فنانا وعمله إلا إن كان دارسا للفن بشكل وقدر يؤهلانه للنقد ، وأما مَن دون ذلك فمن اللازم أن يكتفي بإبداء رأيه حسب ذوقه أو خبرته السابقة من خلال القراءة الفنية والممارسة التطبيقية ، نظرا لأن النقد يجب أن يتجرد تماماً من الآراء الشخصية فهو دراسة مبنية على أسس ولا تتأثر بأسلوب فنان معين ، ولكن الرأي الشخصي قد يظهر أسلوب الشخص صاحب وجهة النظر ، ومن الضروري تنبيه الناقد الفنان على ألا يقترح أسلوبه الفني على الفنان الآخر وعمله بشكلٍ مباشر أو غير مباشر ، فمن حق الفنان أن يتطبع بأسلوب فني خاص به لا يشبه أسلوب فنانٍ آخرٍ .


سارة خالد

reblog like

لا تستهِن بمحبتي
فالحبّ منا أعلم
ولأنه إن ينتهي
ماضينا فيهِ يحكم
لن تمضيَ الذكرى هباءً باهتًا لا يُفهَم
لا أخطو فيها خطوةً
إلا وفيها أبصم
هي بصمةٌ متلوّنة
في كلّ حينٍ تُرسَم
بيضاءَ عندَ تبسّمي
زرقاءَ إن أتكلّم
صفراءَ حين أغارُ
ورديّةً إن أُلهِم
حمراءَ حينَ أُثارُ
أو أُظلَمُ
أو أُحرَم
سوداءَ حين نفترق
وبحُرقةٍ نتألّم
لا تستهِن
وتحبّني
وتموتُ
ثم تندم

سارة خالد

reblog like

الحب ، ما الحب ؟
الحب في نظر الأستاذ عبد الله باجبير ليس إلا صداعا كونيا ،
كما عنون أحد كتبه وسمى إحدى مقالاته بـ ” صداع كوني اسمه الحب ” ،
وهذا ما قلته لأحد الأصدقاء ،
وقد انتقد هذا التشبيه منكرا وجود وجه شبه بين الحب والصداع ومتعجبا من كونه كوني .
لست أذكر حقا إن كنت قد قرأت في كتيب باجبير عن وجه الشبه هذا ، ولكني أفهمه حتما بطريقة أخرى .
- الصداع مرض ، أم وعكة ، والحب حالة غرام ، أم نزوة .
- كلاهما يصيبان الجميع ، لأسبابٍ ، وبدون أسبابٍ .
- علاج الصداع البسيط ، حبة بنادول ، وعلاج الحب البسيط ، كلمة أحبك .
- وقد يقهر الصداع كل شيء فيدوم لفترة أطول ، ويتمادى الحب ولا يكفيه شيء .
- وعلى الرغم من أن الصداع مرهق ومؤلم ، فهو في غالب الأحيان قابل للتعايش ، كالحب .
- غير أن أخطر أنواع الصداع قد يقتل صاحبه بشكل مباشر أو بعد التسبب بأمراض أخرى ، كما قد يكون من الحب ما يقتل المحب ، بالانتحار ، أو الموت البطيء .
- والصداع يصيبك بلا مقدمات ولا استئذان كالحب .
- والحب يسيطر عليك سيكولوجيا وفسيولوجيا بلا يدٍ ، كالصداع .
وكون الحب يصيب كلا الجنسين ، ومختلف الأعمار ، وكل الأجناس ، تماما كالصداع ، فما أخطأ باجبير حين وصفه بالكوني.
لذا ، ألا ترون الحب صداعا كونيا ؟

سارة خالد .

reblog like

ثرثرة وحيدة

*’

عدتُ وحيدةً مجدّدًا !

لربما كانت روحي مقترنةً بروحهِ ،
أو أن قلبي وقلبه مجتمعان في أنسٍ ،
ولكنّني أفتقد وجوده ،
لستُ على ما يرام بدونه .

حنجرة البلبل بدونه تفقد سحر الصباح ،
مرارة القهوة بدونه تفقد سحر الليل ،
وأنا بدونه لا سحر لي ، وبي ، ومني ،
أنثى محنطة !
غير عادية ،
لست بأنثى مثالية ،
ولا بأنثى طبيعية .

أفكر أحيانًا كيف لمن حوله ألا يشعرونَ بحُسنِ بختهم ،
هوَ أمامهم ،
بل كلّ يومٍ بينهم ،
أو على الأقلِّ بقربهم ،
أغبطهم على ذلك ، وفي ذات اللحظةِ أشفق عليهم ،
نعم !
أشفق عليهم من يومٍ يلتمسون فيهِ ضياعه من بين أيديهم
إلى بينَ يديَّ ،
إلى بينَ ذراعيَّ ، وفي أحضاني .

يا ترى !
كيف بدوتُ في زياراتي لأحلامه ؟
أكنتُ على طبيعتي ؟ أم متأنقة ؟
أم كنتُ بالكاد أشبهني ؟
هل وفيت بوعودٍ قطعتها في اليقظة ؟
هل دلّلته ؟
هل أخلصت الحنان له ؟
هل أشعرته بطفولته وبهيبته ،
وبأني منه وبأني له ؟

في إحدى الليالي الغريبة ،
أو ربما الكئيبة ،
تسللت إليّ خيالاتٌ مريبة ،
تساءلتُ في نفسي :
” ماذا لو انتهى ما بيننا قبل ابتدائه ؟ “
فتقوقع النور بداخل عقلي
حتى أحرقه ،
وتكاثر الخوف بداخل قلبي
حتى أرهقه ،
وتكدس الاستغفارُ على فمي كي يغلقه ،
وانهمر دمعي فوق خدي ،
حتى أغرقه ،
فحبست وسواسي تلك الليلةَ ،
ومحوت كلّ ظنون طيشي ،
ونثرت أفكاري له ، الليلةَ ،
فقد كدتُ أخسره !
بتفاهةِ عقلي وعظمة شوقي كدتُ أخسره ،
لذلك لم أخبره .

أحيانًا ،
تصيبني حالاتٌ من الحزن العميق ،
تصيّرني كالنائحة البكماء
تندب حظّها ،
على ماضٍ لم تندم عليه ،
وليست تجد فيه ما تحتاجه ،
تبكي على الأطلالِ دون أحبّةٍ !
مأساةُ شاعرةٍ مقيّدةٍ ،
أو سيّدةٍ محافظةٍ متمرّدةٍ ،
أو طفلةٍ سعيدةٍ مشرّدةٍ ،
أنثى الوضوحِ الغامضة !

ما الذي أهذي به الآن ؟!
أهوَ اجتماع الوحدةِ ، بالشوقِ ، وطول الزمان ؟

لربما كان تأثير هذه الألوان ،
كنزة الصوف الرمادية تشعرني بالحرمان ،
طبيعي !
وقميصي الأسود ، يحيطني بالأحزان ،
لا عجب !
وبنطالي الوردي يحاكي الحب ،
والحلم ، والطفولة ،
كالعادة !
وكوبي الأحمر ،
آه من الأحمر ، يحيّرني ،
يحاور العشق ، والأشواق ، وحاجتي للانتماء ،
تفور بجسدي من تأمله كل الدماء ،
يغضبني ،
بقدر ما يثير عاطفتي .

أو ربّما كان تأثير القهوةِ !
لا بل نسيت قهوتي ،
لم أكمل احتساءها ،
سرحت بالتفكير به ،
فلسعتني أول رشفةٍ ، وتركتها ،
فمكثتُ أنتظر مجيئه ، ونسيتها ،
حتى بردت من طول انتظاري ،
وأشرقت شمس نهاري ،
وأنا ما زلتُ أثرثرُ دون معنى ،
وبلا جدوى .

ربّما لأني ،
عدتُ وحيدةً مجدّدًا .
_

سارة خالد

reblog like

العلاقة بين الفلسفة والحكمة
العلاقة بين الفلسفة والحكمة


     الفلسفة في لفظها تعود إلى كلمة إغريقية من جزأين ( فيلوسوفيا ) ؛ فيلو- وتعني محبة أو حب ، سوفيا – وتعني الحكمة . ولو عدنا إلى معنى الحكمة في معجم الوسيط سنجد عدة معانٍ لها ، منها ما يتعارض مع معنى الفلسفة المعروفة ومنها ما يتوافق معه . 

     مما يتوافق مع معنى الفلسفة : 

العلم :
     فالعلم هو المعرفة ، والفلاسفة لا يعملون عقولهم تساؤلًا وبحثًا وتحليلًا إلا سعيًا وراء المعرفة في أًصل كل الأشياء . والعلم إدراك الشيء بحقيقته ، وكذلك الفلاسفة يحاولون إدراك حقيقة الأشياء . والعلم هو اليقين - أي انقطاع الشك - ، وإن كانت فلسفات الفلاسفة مثيرة للشك عند عامة الناس إلا أن الفيلسوف لا يشك في صحة ما توصل إليه من فلسفة . 
     وصحيح أن الفلاسفة يختلفون عن العلماء ، ومخرجاتهم أقل ثقة من مخرجات العلماء ، ولكن ذلك لا يدل على اختلاف معنى كلمة فلسفة ( الحكمة ) ومعنى العلم ، إنما العلماء يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على التجربة والتطبيق واختبار الفرضية ، أما الفلاسفة فلا اعتماد لهم على ذلك بقدر اعتمادهم على تحليلات عقولهم وحدسهم الخاص .

العلة : 
     فالعلة تعني السبب ، وأفكار الفلاسفة دائمًا ما تجري خلف إيجاد واستكشاف الأسباب والتوصّل إلى أكثر الاسباب اقناعًا – لهم على الأقل - . والعلة تعني المرض الشاغل ، والكثير من الفلاسفة نجدهم مهووسون بفلسفاتهم ومناهجهم في إخراج فلسفاتٍ خاصة بهم ، محاولين سد باب التساؤلات المتزايدة في عقولهم حول الأشياء بإيجاد ما يفسّرها كفايةً .

     ومما يتعارض مع معنى الفلسفة :

العدل :

     والعدل في اللغة العربية ضد الظلم ، والظلم من معانيه وضع الشيء في غير محله ، وإن جئنا للفلسفة ونظرنا إلى مخرجاتها ومناهج الفلاسفة فيها ، سنجد مناهجًا ونتائجًا واضعةً الأشياء في غير محلها ، فللعدل وجه واحد وهو الإنصاف بدقة ، وللإنصاف شرط حتى يتم ، وهو وجود الدلائل والبراهين ، واختلاف الفلاسفة - على سبيل المثال - في أصل الإنسان يدل على إخلالهم بمسألة العدل ، وبالتالي فإن الفلسفة المتعارف عليها - من هذا المنظور- لا تعد من محبة الحكمة.

الكلام الذي يقل لفظه ويجل معناه :

     وقلة اللفظ تعني الإيجاز ، وجلالة المعنى تعني قوته وعظمته ، وهذا معنى آخر من معاني الحكمة يخالف معنى الفلسفة المعروفة ، فالفلسفة وإن عظمت معانيها إلا أنها ما كانت يومًا موجزة ، فإن أطلق محبو الفلسفة كلمة فيلسوف على إنسان ما ، فقد أطلقوها لمخرج مطول مشروح بتفاصيل كثيرة ، تبين بدقة ما توصل إليه في فلسفته.

     ومن هذه المعاني الأربعة للحكمة نجد أن الفلسفة المتعارف عليها - وإن كانت تتطابق مع معنى الحكمة في العلم والعلة - إلا أن تعارضها مع معنى العدل والإيجاز يظهر بأن مصطلح الحكمة إغريقي الأصل ( الفلسفة ) ليس مناسبًا لما اشتُهِر يبننا كعلم الفلسفة ، أو أن أقسامًا معارضة لمعنى الحكمة أصبحت دخيلة على علم الفلسفة ، رغم خلوها من المعنى الصحيح للحكمة ، ونظرًا لذلك قد نطلق على الحكيم فيلسوفًا لمحبته للحكمة علمًا وعلةً ، ولكن من الخطأ أن نطلق على الفيلسوف حكيمًا لفقده الإيجاز والعدل في مخرجاته الفلسفية .



                                                                              تأليف : سـارة خالد 
reblog like